محمد بن جرير الطبري

430

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

يعني : استقام به . ومنها : الإقبال على الشيء يقال استوى فلانٌ على فلان بما يكرهه ويسوءه بَعد الإحسان إليه . ومنها . الاحتياز والاستيلاء ( 1 ) ، كقولهم : استوى فلان على المملكة . بمعنى احتوى عليها وحازَها . ومنها : العلوّ والارتفاع ، كقول القائل ، استوى فلان على سريره . يعني به علوَّه عليه . وأوْلى المعاني بقول الله جل ثناؤه : " ثم استوى إلى السماء فسوَّاهن " ، علا عليهن وارتفع ، فدبرهنّ بقدرته ، وخلقهنّ سبع سماوات . والعجبُ ممن أنكر المعنى المفهوم من كلام العرب في تأويل قول الله : " ثم استوى إلى السماء " ، الذي هو بمعنى العلو والارتفاع ، هربًا عند نفسه من أن يلزمه بزعمه - إذا تأوله بمعناه المفهم كذلك - أن يكون إنما علا وارتفع بعد أن كان تحتها - إلى أن تأوله بالمجهول من تأويله المستنكر . ثم لم يَنْجُ مما هرَب منه ! فيقال له : زعمت أن تأويل قوله " استوى " أقبلَ ، أفكان مُدْبِرًا عن السماء فأقبل إليها ؟ فإن زعم أنّ ذلك ليس بإقبال فعل ، ولكنه إقبال تدبير ، قيل له : فكذلك فقُلْ : علا عليها علوّ مُلْك وسُلْطان ، لا علوّ انتقال وزَوال . ثم لن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله . ولولا أنا كرهنا إطالة الكتاب بما ليس من جنسه ، لأنبأنا عن فساد قول كل قائل قال في ذلك قولا لقول أهل الحق فيه مخالفًا . وفيما بينا منه ما يُشرِف بذي الفهم على ما فيه له الكفاية إن شاء الله تعالى . قال أبو جعفر : وإن قال لنا قائل ( 2 ) أخبرنا عن استواء الله جل ثناؤه إلى السماء ، كان قبل خلق السماء أم بعده ؟ قيل : بعده ، وقبل أن يسويهن سبعَ سماوات ، كما قال جل ثناؤه :

--> ( 1 ) في المخطوطة : " الاستيلاء والاحتواء " . ( 2 ) في المطبوعة : " وإن قال . . . " .